09‏/05‏/2012

أي نظام يريد الحريري اسقاطه؟

واصف عواضة
السفير 9 ايار 2012
ختم الرئيس سعد الحريري خطابه عن بعد في ساحة الشهداء يوم الأحد الماضي، بالدعوة الى إسقاط النظام. وتوجه الى أنصاره قائلاً: تفصلنا سنة مصيرية عن الانتخابات النيابية، وأنا متأكد انكم ستقولون بأصواتكم في صناديق الاقتراع «الشعب يريد إسقاط النظام».
هذه الدعوة أشكلت على الكثيرين الذين لم يفهموا اي نظام يريد الشعب اسقاطه في صناديق الاقتراع اللبنانية: هل هو النظام السوري الذي يخاصمه الحريري وتياره بحدة، أم إنه النظام اللبناني الذي يعتبر أحد أعمدته؟ وهل يسقط النظام السوري، أو أي نظام في العالم، بأصوات غير أصوات شعبه، إلا اذا كان الحريري يدعو الى احتلال لبنان لسوريا من أجل هذا الغرض، كما فعل الأميركيون في العراق؟
أغلب الظن ان الحريري كان يقصد النظام اللبناني، بل اكثر تحديدا كان يعني حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. ربما سها عن باله ان الحكومة في لبنان ليست النظام كما هو الأمر في معظم البلدان العربية. فالنظام في لبنان، دستور وقوانين وهياكل وروحية وتركيبة وثقافة سياسية، ويجب إسقاطه اليوم قبل الغد، وبناء نظام جديد عصري يقوم على المواطنة وينبذ الطائفية. هذا النظام القائم يحرص الحريري على حمايته وصيانته والحفاظ عليه بكل جوارحه. وعليه، فإن سقوط حكومة الرئيس ميقاتي لا يسقط نظاما، وقد سقطت من قبل عشرات الحكومات في لبنان، وكان آخرها حكومة الحريري نفسه ومع ذلك لم تسقط شعرة واحدة من رأس النظام.
وليس من باب المبالغة القول ان النظام اللبناني يزداد عتواً وعيوبا، يوما بعد يوم، ذلك ان كل دعوات الاصلاح والتغيير مع كل مجلس نيابي ومع كل حكومة جديدة، تذهب هباء منثورا. ولعله من الظلم تحميل سعد الحريري وتياره وحدهما مسؤولية حماية هذا النظام. ثمة رعاة وعرابون كثر في لبنان يتقاسمون هذه المسؤولية.
وما من شك في أن الحريري يميز بين النظام والحكومة، ويعرف تمام المعرفة ان جمهوره ليس من الغباء ليصدق ان سقوط الحكومة يسقط نظاما. لكنه في الوقت نفسه، اراد ان يساير «الموضة» السائدة في هذه الايام على وهج الربيع العربي وشعاره الذائع الصيت، وهو يعي ان ربيع لبنان الحقيقي دونه عوائق جليلة، حتى لو سقطت جميع الانظمة العربية، وفي مقدمها النظام السوري. فالخطوة الاولى في رحلة الألف ميل لإسقاط النظام الطائفي في لبنان (أو بالأحرى إصلاحه) تبدأ بتطوير قوانين الانتخاب، وهذا هو التحدي الحقيقي في وجه تيار كبير كتيار «المستقبل» يفترض انه من دعاة الإصلاح والتغيير وفقا لأدبياته السياسية.
وقد بات من البديهيات في علوم الانتخابات وقوانينها ان النظام الاكثري هو نظام ظالم، وقد فارقته معظم دول العالم، المتحضرة منها والمتخلفة، وانتقلت الى النظام النسبي الذي يحفظ حقوق الجميع، اكثريات وأقليات، محادل ودراجات هوائية.
ولعل اغرب نظرية مطروحة في هذه الايام هي القائلة بأن النظام النسبي يلغي الاقليات ويعزز سطوة المحاور الخارجية، في حين ان النسبية انشئت اساسا لحماية الاقليات من سطوة الاكثريات والمحاور.
الواضح ان الخطاب السياسي سوف يزداد حدة من الآن وحتى الانتخابات النيابية التي افتتحت حملتها باكرا، ولسوف يشهد المواطنون اللبنانيون مبارزات حامية ودروسا عالية النبرة في الديموقراطية والاصلاح والتجدد، ولكن من دون جدوى، لأن التغيير في لبنان يلزمه مصلحون، بعدما أخفق الشعب اللبناني العنيد في بلوغ هذا الهدف من خلال الاختيار في الانتخابات.
في المناسبة، سيدة فرنسا الأولى الصحافية «فاليري تريرفيلر» (صديقة الرئيس الفرنسي المنتخب فرنسوا هولاند) بالها مشغول هذه الأيام بكيفية إعالة أولادها الثلاثة، إذا لم تتقاض راتبا من عملها المستقل، في حال تفرغت لقصر الإليزيه. تقول بكل شفافية: «من غير الطبيعي أن تتحمل الدولة الفرنسية او فرنسوا (الرئيس) أعباء أولادي».
النظام اللبناني يصلح فقط بنساء من هذا المستوى، لأن وراء كل عظيم امرأة.

02‏/05‏/2012

وداعاً «دولة صائب بك»!

واصف عواضة
السفير 28 نيسان 2012
كان الرئيس الراحل صائب سلام يردد مقولة شهيرة كلما اشتدت الأزمات، مؤداها ان «لبنان يقوم على التفهّم والتفاهم ويطير بجناحيه المسلم والمسيحي»، ومن دون ذلك ليس هناك ما يقدم او يؤخر في حياة البلد. ويُنسب الى رئيس الحكومة الراحل الحاج حسين العويني انه كان كلما فُوتح في مسألة خلافية يجيب: «يعني هيك وهيك»، في اشارة الى ضرورة اعتماد التوازن في اتخاذ القرارات. ولا يخفى على معاصري رؤساء الحكومات، من قبل ومن بعد، أن هذه السياسة ظلت تحكم لبنان طويلا وتتغلب على الدساتير والقوانين والأنظمة، حتى إنها تخطت نهج رؤساء الوزارات الى رؤساء الجمهورية ومجالس النواب.
في الأساس، قام استقلال لبنان على هذه السياسة التي بُنيت على معادلة بشارة الخوري ورياض الصلح: «يتخلى المسيحيون عن الغرب ويتخلى المسلمون عن الشرق». ومنذ ذلك الحين، كان البلد ينفجر كلما حاد أهلوه عن هذه المعادلة او خرجوا عن المألوف. وليس غريبا بالمطلق عن تقاليد لبنان، اعتماد الحكومة الحالية سياسة «النأي بالنفس» في ما خص الأزمة السورية.
خرج لبنان عن المألوف في العام 1958 حين جنح الرئيس كميل شمعون باتجاه «حلف بغداد»، فانفجرت الأحداث ونزلت قوات «المارينز» الاميركية في لبنان، وانتهى المسار برحيل شمعون عن السلطة وانتخاب الرئيس فؤاد شهاب في تسوية تاريخية مشهودة بين جناحي لبنان المسلم والمسيحي.
وخرج لبنان عن المألوف في بداية السبعينيات باحتضانه القضية الفلسطينية، فانفجرت الحرب الاهلية عام 1975، واستمرت الى العام 1990، وتخللها اجتياحان اسرائيليان. وانتهت الحرب بتسوية تاريخية في الطائف بين الجناحين المسلم والمسيحي ايضا.
وخرج لبنان عن المألوف بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما أعقب ذلك من اغتيالات، فانفجرت الأزمة سياسيا وأمنيا، وانتهت باتفاق الدوحة في تسوية تاريخية ملأت فراغ الرئاسة الاولى وجاءت بحكومة الوحدة الوطنية، وكل ذلك بالتفاهم بين الجناحين المسلم والمسيحي على المواقع النيابية، وإن كان الخلاف قد أخذ هذه المرة طابعا سياسيا.
اليوم يُطرح على بساط البحث قانون جديد للانتخابات يعتمد النسبية كمقدمة للاصلاح المنشود، وقد بدأت ردود الفعل حوله سلبا وإيجابا. المسلمون منقسمون حياله كما المسيحيون. ويبدو ان هذا القانون لن يرى النور، مثله مثل مختلف المشاريع المطروحة على بساط البحث، لأن النكد السياسي هو الذي يتحكم بالنقاش بين القوى اللبنانية. لا يريد أحد أن يفهم أحدا أو يتفاهم مع أحد. والقاعدة السائدة: «لا تفهّم ولا تفاهم». وعليه يكون النظام السياسي الطائفي في لبنان قد بلغ اسوأ مراحله، ولا سبيل الى الحلول الا بتغييرات جذرية تبدو اكثر من مستحيلة في هذه المرحلة. ويفترض بنا والحالة هذه ان نتوقع مزيدا من التأزم على مشارف انتخابات نيابية لن تغيّر من واقع الأمور شيئا، ايا كان المنتصر فيها أو المهزوم، لأن العلة في النظام وليست في أهله فقط.
البعض يرد الشلل الحالي الذي يعيشه لبنان الى الأزمة السورية، ويرى ان الانفراج رهن بحسم هذه الأزمة.غير أن المؤشرات توحي بأن الواقع السوري يتجه نحو الشلل ايضا، على قاعدة: «لن يسقط النظام.. لكنه لن يرتاح»، لأن المطلوب من الاساس تعطيل الدور السوري في المنطقة، وقد نجح المخططون في تحقيق هذا الهدف. فماذا لو طالت الأزمة السورية سنوات عدة، وماذا يفعل اللبنانيون في بلدهم؟
في الخلاصة، كان الطموح ان ينتقل لبنان من دولة «التفهّم والتفاهم» و«الهيك وهيك»، الى دولة القانون والمؤسسات والمواطنة. صار حلما الاحتفاظ بـ«دولة التفهّم والتفاهم».
وداعا «دولة صائب بك»!

تحية الافتتاح