13‏/12‏/2011

«حزب الله» و«التيار الحر»: يربحان معاً.. أو يخسران معاً!

واصف عواضة- السفير 13 كانون الاول 2011
لم يعد سراً أن شوائب باتت تعتري العلاقة بين «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». ثمة كلام قليل فوق الطاولة، لكن الكلام الكثير يجري تحتها وفي الكواليس المغلقة، الأمر الذي يستدعي نقاشاً صريحاً بين الطرفين وعلى أعلى المستويات.
لقد مضى ما يقرب من ست سنوات على توقيع التفاهم بين الحزب والتيار في كنيسة مار مخايل، وذلك في اللقاء الشهير الذي جمع السيد حسن نصر الله والعماد ميشال عون. ويبدو ان هذا التفاهم بات يحتاج الى «تحديث» وتشذيب ما علق به خلال السنوات الست الماضية التي شهدت تطورات كبيرة جداً، تعرض خلالها هذا التفاهم لأكثر من اختبار وراهن البعض على انفراطه لكنه صمد بفعل الكيمياء الشخصية التي تجمع «السيد» و«الجنرال».. والأهم القضايا الاستراتيجية التي ما تزال تجمع الرجلين وحزبيهما.
في الأساس واهم من كان يعتقد ببلوغ التكامل بين الحزب والتيار في كل القضايا الداخلية والخارجية، حتى أن قيادة الطرفين تركت من البداية هوامش للاختلاف. لكن الإيجابيات والفوائد التي حققها الطرفان من هذا التفاهم اكثر من ان تعد وتحصى، وليس صحيحاً أن «حزب الله» وحده هو الذي استفاد من هذا التحالف، كما يحاول بعض غلاة التيار الإيحاء.
صحيح أن التيار أمّن للحزب قاعدة مسيحية احتضنت المقاومة سياسياً وشكلت غطاءً لها في الكثير من المواقف، لكن الحزب شرّع الأبواب أمام التيار في الكثير من المواقع والأماكن والمحطات. ويعرف العونيون جيداً أن السيد نصر الله كان وما يزال في المفاصل الداخلية الصعبة يبلغ الجميع بحزم: «اتفقوا مع العماد عون وخذوا توقيعي جاهزاً على بياض».
يقدر الحزب تقديراً عالياً، وكذلك جمهور المقاومة، المواقف الجريئة والصلبة التي وقفها العماد عون في اللحظات المصيرية، وهو لا يمكن أن ينسى موقفه الذي بلغ حد المغامرة في حرب تموز، فبات «الجنرال» في قلوب المقاومين وعقولهم واحداً من عناوين المقاومة الكبرى. ويتفهم الحزب جيداً منهجية التيار في التعاطي مع القضايا الداخلية، خصوصاً أن العناوين التي يطرحها تكاد توازي العمل المقاوم ضد إسرائيل، لا سيما على صعيد بناء الدولة العادلة ومكافحة الفساد وإصلاح الإدارة وتحقيق إنجازات على المستوى العام تكرس تغييراً واضحاً في مسيرة البلد. ولا يختلف الحزب مطلقاً مع التيار في هذه العناوين، بل هو يحسد التيار على حريته المطلقة في طرح هذه القضايا والقتال في سبيلها من دون مراعاة «زيد أو عمر» من الناس او من القوى العاملة على الساحتين الداخلية والخارجية. وبالتالي فإن الحزب لم يتوان في معظم الأحيان عن دعم التيار قولاً وعملاً في هذه العناوين، لكنه في بعض الأحيان يجد نفسه مكبلاً بقيود تقض مضجعه وتحمله على التأني ومراعاة الواقع وتجرع الكأس المرة تجنباً للكأس الأمرّ.
على الحزب ان يراعي الحيثيات التي تدفع الضرر عن المقاومة بحيث لا يكون جسدها مشرعاً للعواصف، ولا رأسها تحت مقصلة الأعداء وهم كثر، فإذا سقطت المقاومة في هذه المرحلة، لن يكون هنالك حزب ولا تفاهم ولا تحالفات.
على الحزب أن يراعي الواقع داخل الطائفة الشيعية. فالصدام داخل الطائفة خط أحمر لأنه يعيد المقاومة الى نقطة الصفر ويكلف الكثير من المعاناة، ولذلك فهو حريص على التحالف مع حركة «أمل» والرئيس نبيه بري، الذي يعرف طبيعة العلاقة بينه وبين «الجنرال»، على الرغم من بعض الظواهر التي توحي بالتفاهم.
على الحزب أن يراعي واقع الساحة الإسلامية بما يحول دون إغراقه في فتنة مذهبية دفع الكثير من الأثمان من أجل تجنبها، ومع ذلك يبدو خصومه في هذا المضمار أطول باعاً منه وأكثر قدرة على استفزازه ودفعه الى وحول هذه الفتنة.
على الحزب أن يراعي العلاقة مع رئيس الدولة الذي كانت له وما تزال مواقف مشهودة الى جانب المقاومة على الرغم من الضغوط الدولية والعربية الكثيرة التي تمارس عليه، وهو يعرف في الوقت نفسه أن علاقة رئيس الجمهورية برئيس التيار ليست على خير ما يرام.
على الحزب أن يراعي الواقع الحكومي وهو يعرف أن استقالة الحكومة في هذه المرحلة إنما هي قفزة في المجهول في ظل التركيبة النيابية غير المضمونة للأكثرية الحالية.
على الحزب أن يراعي نجيب ميقاتي من موقعه كشريك سني، وعلى الحزب أن يراعي وليد جنبلاط من موقعه كشريك درزي أيضاً.
على الحزب أن يراعي الوضع في سوريا والتغيرات العربية المتسارعة التي يدفع ضريبة بعض مواقفه تجاهها. وعلى الحزب أن يراعي الكثير من الظروف المحيطة بواقعه، والتي يبدو التيار متحرراً منها. لقد خسر الحزب معركة تمويل المحكمة الدولية وآثر الانحناء أمام العاصفة التي كان يمكن ان تلفه بجناحيها وتدفعه الى أتون معركة ليس الأوان أوانها ولا الظروف مؤاتية لخوضها.
قد يكون الحزب أخطأ او تسرّع في معركة تصحيح الأجور داخل مجلس الوزراء بموافقته على القرار الذي تمخضت عنه الجلسة، من دون أن يرفض مشروع التيار الذي قدمه وزير العمل شربل نحاس، لكنه بدا في اليوم التالي وكأنه أحس بالخديعة فاندفع رافضاً القرار عبر مؤسساته النقابية والتربوية. إلا أن هذا الخطأ لا يستوجب بعض المواقف المتوترة التي يتم تسريبها عبر الإعلام على لسان مصادر في التيار الحر الذي لم يعمد إلى نفيها او تكذيبها. لكن الحزب يؤمن أن العماد عون لا يستسيغ هذه التسريبات, وأن ما يربط «السيد» و«الجنرال» أكبر من أن تهزه التفاصيل الصغيرة.
في المقابل، لا يستطيع «التيار الحر» أن يستمر في المعارك الخاسرة داخل الحكومة بفعل التسويات التي تطبخ على نار حامية ويصار الى إخراجها في اللحظات الأخيرة, لأن الرصيد الذي حققه خلال السنوات الماضية في طريقه الى التآكل, وهو يفضل ألف مرة أن يخوض معاركه من موقع المعارضة على أن يكون عاجزاً عن تحقيق ما يصبو اليه من داخل السلطة. وعليه يتطلب الوضع الحكومي وقفة جدية من كل أقطابها لوضع خريطة طريق واضحة تخرجه وتخرج البلد من حالة الجمود التي راحت تضغط على الأكثرية وجمهورها والمواطنين بشكل عام... والمدخل الى ذلك رزمة مشاريع إصلاحية وسلة تعيينات إدارية تحدث صدمة إيجابية في التيار وعند جمهوره الكبير.
في أي حال لم يعد مناسباً أن يدفن الحزب والتيار رأسيهما في الرمال ويتغاضيان عن الشوائب التي تعتري العلاقة بينهما. ثمة نقاش صريح يفترض أن يبدأ بين الطرفين على اعلى المستويات, يقوده السيد نصر الله والعماد عون، للتفاهم على مقتضيات المرحلة المقبلة بجميع تفاصيلها. فمعادلة المقاومة والإصلاح معاً هي المدخل الأساس لبناء الوطن, وواهم من يعتقد أن الفكاك بين الحزب والتيار يستفيد منه طرف على حساب الآخر, كما يحلو للبعض ان يتصور. فبعد ست سنوات على هذا التحالف، يربح الحزب والتيار معاً.. أو يخسران معاً.

30‏/11‏/2011

حكومة «كلهم على حق» و«سياسة جحا»!

واصف عواضة
السفير 30 نوفمبر 2011
يُروى عن «جحا» ان جارا له دخل عليه ذات يوم شاكيا ظلم جاره الآخر، فاستمع اليه باهتمام وقال له «معك حق». ثم ان جاره الآخر جاءه شاكيا جاره الأول، فقال له ايضا «معك حق». وهنا هبّت زوجة «جحا» غاضبة من هذا التصرف الذي اعطى الحق لجارين متناقضين، فرد عليها قائلا: وأنتِ معك حق ايضا.
استنادا الى هذه الرواية يرى بعض الخبثاء ان حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تنطبق عليها «سياسة جحا»، حتى ليكاد يصفها بـ«حكومة جحا». فكل أقطابها وأركانها «على حق» في ما يذهبون ويصبون اليه، وهي تواجه اعمق ازمة تهدد مصيرها واستمرارها على خلفية تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
«حزب الله» على حق في موقفه من المحكمة، اذ لا يعقل ان يوافق على تمويل مؤسسة يرفض وجودها من الاساس ويعتبرها اسرائيلية وهدفها تشويه سمعة المقاومة توطئة لضربها والقضاء عليها، من قبل ان تتهم عناصر منه صراحة باغتيال الرئيس رفيق الحريري. وقد اعلن الحزب اكثر من مرة على لسان امينه العام انه غير معني بهذه المحكمة ولن يتعامل معها، ومن الطبيعي ان يرفض تمويلها.
الرئيس نجيب ميقاتي بدوره على حق في اصراره على التمويل. فرئيس حكومة لبنان لا يستطيع ان يحمل دم سلفه رفيق الحريري من خلال رفض حكومته تمويل المحكمة الناظرة في قضية اغتياله. وبالتالي ليس من طبع الرجل مواجهة المجتمع الدولي والعقوبات التي قد يتعرض لها لبنان جراء ذلك، فضلا عما يجرّه عليه هذا الأمر من عزل له داخل طائفته التي تبقى الغطاء الاخير لمستقبله السياسي في بلد كلبنان محكوم بنظام طائفي، وهو يعرف سلفا ان هويته الطائفية هي التي تقوده الى رئاسة الحكومة، ايا كانت الكفاءات والمهارات والخبرات السياسية والشخصية والخلقية التي يتمتع بها، وكذلك الارصدة الشعبية والمصرفية.
«تكتل التغيير والاصلاح» بقيادة العماد ميشال عون ايضا وأيضا على حق في ما يرمي اليه. فالرصيد الذي يتمتع به «التيار الوطني الحر» في الساحة المسيحية ليس نابعا من عصبية طائفية، بل من حجم الانجازات التي يحققها على مستوى ساحته ومن ثم الساحة اللبنانية بشكل عام. وهو يعرف ان خصومه في الساحة المسيحية يتفوقون عليه في شد العصب الطائفي. رهانه الوحيد على مواقفه وإنجازاته على المستوى السياسي والاقتصادي والاداري الى آخر السلسلة. وهو بالتالي لا يستطيع ان يقاتل احدا بحكومة فاشلة هو شريك اساسي فيها، ولا يمكنه الذهاب الى الانتخابات بمثل هذه الحكومة. وعليه يفضل الف مرة ان يخوض الانتخابات من موقع المعارض. ولذلك كان التصور من الاساس ان التيار العوني سيلجأ الى فرط الحكومة اذا لم تحقق الانجازات التي وعد وتعهد بها امام جمهوره خاصة واللبنانيين عامة.
النائب وليد جنبلاط على حق. هو ينتظر تبلور الظروف الخارجية ليبني استراتيجيته السياسية، ولن يغرق طائفته الصغيرة مرة أخرى في الرمال اللبنانية المتحركة.
الرئيس نبيه بري ايضا على حق. هو يحاول جاهدا تفادي انهيار الهيكل الحكومي الذي يشكل نوعا من ضمان الاستقرار في البلد وسط منطقة مضطربة. يفتش عن مخرج لا يقتل الذئب ولا يفني الغنم. تحالفه مع «حزب الله» والمقاومة خط أحمر لن يغامر به ايا تكن الظروف، والاسباب كثيرة لا تعد ولا تحصى. يسعى بحنكته المعهودة لإيجاد المخرج المناسب. والرئيس ميشال سليمان على حق. يهمه دوام الاستقرار في ما تبقى من ولايته بأي ثمن. هو يحظى اليوم بإجماع سياسي في البلد، لأنه يسير بين النقاط غير المتجانسة بعناية فائقة، مستفيدا من تجربة اسلافه على رأس الدولة.
حكومة هؤلاء اركانها (كلهم على حق) يفترض ان يسودها حد أدنى من التفهم والتفاهم لعبور درب الجلجلة بأقل كلفة، بما يمكنها من ادارة الأزمة ريثما يقضي الله أمرا كان مفعولا. فمنذ تشكلت هذه الحكومة، لم يكن الخوف عليها وما يزال من المعارضة، انما من نفسها، وها هي تؤكد هذه النظرية. وأحرى بها ان تتجاوز قطوع التمويل وتلتفت لهموم الناس وتغلق آذانها على الضجيج المباح، على غرار ما فعل جحا مع ولده والحمار.

تحية الافتتاح